الآلوسي

54

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

معنى كذب الكافرون منكم لعموم الخطاب للفريقين على ما أشرنا إليه وهو الذي اختاره الزمخشري واستحسنه صاحب الكشف ، واختار غير واحد أنه خطاب لكفرة قريش ، والمعنى عليه عند بعض ما يعبأ بكم لولا عبادتكم له سبحانه أي لولا إرادته تعالى التشريعية لعبادتكم له تعالى لما عبأ بكم ولا خلقكم ، وفيه معنى من قوله تعالى : ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وقيل : المعنى ما يعبأ بكم لولا دعاؤه سبحانه إياكم إلى التوحيد على لسان رسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم أي لولا إرادة ذلك . وقيل : المعنى ما يبالي سبحانه بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم كما قال تعالى : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [ النساء : 147 ] ، وقيل : المعنى ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه تعالى وتضرعكم إليه في الشدائد كما قال تعالى : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ [ العنكبوت : 65 ] وقال سبحانه : فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [ الأنعام : 42 ] ، وقيل : المعنى ما خلقكم سبحانه وله إليكم حاجة إلا أن تسألوه فيعطيكم وتستغفروه فيغفر لكم ، وروي هذا عن الوليد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه . وأنت تعلم أن ما آثره الزمخشري لا ينافي كون الخطاب لقريش من حيث المعنى فقد خصص بهم في قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً أي جزاء التكذيب أو أثره لازما يحيق بكم حتى يكبكم في النار كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها فضمير « يكون » لمصدر الفعل المتقدم بتقدير مضاف أو على التجوز ، وإنما لم يصرح بذلك للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مما لا يكتنهه البيان . وقيل : الضمير للعذاب ، وقد صرح به من قرأ « يكون العذاب لزاما » ، وصح عن ابن مسعود أن اللزام قتل يوم بدر ، وروي عن أبي ومجاهد وقتادة وأبي مالك ولعل إطلاقه على ذلك لأنه لوزم فيه بين القتلى لِزاماً . وقرأ ابن جريج تكون بتاء التأنيث على معنى تكون العاقبة ، وقرأ المنهال ، وأبان بن ثعلب وأبو السمال « لزاما » بفتح اللام مصدر لزم يقال : لزم لزوما ولزاما كثبت ثبوتا وثباتا ، ونقل ابن خالويه عن أبي السمال أنه قرأ « لزام » على وزن حذام جعله مصدرا معدولا عن اللزمة كفجار المعدول عن الفجرة واللّه تعالى أعلم هذا . ومن باب الإشارة قيل في قوله تعالى : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ إشارة قصور حال المنكرين على أولياء اللّه تعالى حيث شاركوهم في لوازم البشرية من الأكل والشرب ونحوهما وقالوا في قوله تعالى : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً إن وجه فتنته النظر إليه نفسه والغفلة فيه عن ربه سبحانه ، ويشعر هذا بأن كل ما سوى اللّه تعالى فتنة من هذه الحيثية . وقال ابن عطاء في قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً أطلعناهم على أعمالهم فطالعوها بعين الرضا فسقطوا من أعيننا بذلك وجعلنا أعمالهم هباء منثورا ، وهذه الآية وإن كانت في وصف الكفار لكن في الحديث أن في المؤمنين من يجعل عمله هباء كما تضمنته ، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب في المتفق والمفترق عن سالم مولى أبي حذيفة قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ليجاءن يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثل جبال تهامة حتى إذا جيء بهم جعل اللّه تعالى أعمالهم هباء ثم قذفهم في النار ، قال سالم : بأبي وأمي يا رسول اللّه حل لنا هؤلاء القوم قال : كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنئة من الليل ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليه فادحض اللّه تعالى أعمالهم » وذكر في قوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ الآية أن حكمه عام في كل متحابين على معصية اللّه تعالى .